samedi 28 avril 2012

بين أكجوجت وأطار؛ صناعة تزدهر وأخرى تحتضر


بين أكجوجت وأطار؛ صناعة تزدهر وأخرى تحتضر

بموازاة طرق القوافل القديمة التي وصلت شمال إفريقيا بجنوب الصحراء اختط الفرنسيون مع موفى الثلث الأول من القرن الماضي مسلكا ممهدا عرف بالطريق الإمبريالي لربط سانت لويس بتيندوف، ونشأت على طوله محطات أصبحت مدنا فيما بعد مثل روصو ونواكشوط وأكجوجت وأفديرك وبئر أم قرين. كما ازدهرت بفضله أطار وانتقلت من كونها قصرا صحراويا متواضعا، لتخطف الأضواء وتنتزع دور الريادة الإقليمية من مركز التجارة القافلية شنقيط، التي مثلت في مرحلة ما القلب الثقافي لبلاد الملثمين.
وطيلة العشرية الأولى للاستقلال لم تكن مدينة أكجوجت؛ أكثر من مركز صغير لمقاطعة ملحقة بدائرة الترارزة، لا يتجاوز سكانه بضعة آلاف نسمة. غير أن استغلال مناجم النحاس في قلب أم قرين وتعبيد طريق نواكشوط – أكجوجت نهاية الستينيات، أنعش القرية التي ستصبح فيما بعد عاصمة ولاية إينشيري. لكن تراجع إنتاج النحاس فيما بعد ألقى بحالة من الكساد الاقتصادي خلفت جمودا ديمغرافيا في أكجوجت وإينشيري عموما إذ انتقل الكثير من سكان الولاية إلى مدينتي نواكشوط ونواذيبو القريبتين.
وخلال السنوات القليلة الماضية عاد النشاط المعدني بقوة، حيث تعيش أكجوجت اليوم على وقع طفرة اقتصادية غير مسبوقة، تتجلى أبرز مظاهرها في تجديد وتوسيع طريق نواكشوط – أكجوجت ثاني شرايين الصناعة الاستخراجية في موريتانيا والذي تسلكه يوميا مئات الشاحنات والمركبات والسيارات الفارهة جيئة وذهابا. كما تدر شركة أم سي أم على المدينة ومحيطها عوائد مالية هائلة تطال سوق العمل والتجارة والعقارات فالشركة تضخ في أكجوجت ما يناهز 300 مليون أوقية شهريا، في شكل مرتبات لثلاثة آلاف من عمالها.
وغير بعيد من أكجوجت وداخل حدود وصايتها الإدارية ينتظر أن ترى النور مدينة أخرى بمواصفات عصرية كاملة، عند بئر الشامي في منتصف الطريق بين عاصمتي موريتانيا يراد للحاضرة الجديدة أن تكون قطبا حضريا لمنطقة تازيازت الغنية بمعادن الذهب. وربما يصب ذلك في اتجاه انتقال الثقل السكاني والاقتصادي في المجال الموريتاني باتجاه الساحل الأطلسي، مقابل تراجع الدواخل القارية، وهو مسار بدأ مع هيمنة نواكشوط  -وبدرجة أقل نواذيبو- على الشبكة الحضرية الموريتانية.
طالما أن مدينة الشامي الجديدة تتموقع على أحد أجزاء الطريق عبر القاري طنجة – لاجوس، فهل ستخطف الشامي الموعودة؛ أضواء الازدهار المعدني من أكجوجت، مثلما انتزعت أطار بالأمس القريب الريادة الإقليمية من شنقيط ؟

في منتصف الستينيات احتلت أطار -التي دخلها الفرنسيون في 9 يناير 1909- قمة المراكز الحضرية الموريتانية بحجم سكاني ناهز عشرة آلاف نسمة، ولا غرابة في الأمر فعاصمة آدرار؛ مثلت أهم محطات الطريق الإمبريالي في موريتانيا منذ أن هدأت جذوة المقاومة المسلحة، ودانت البلاد للإدارة الاستعمارية التي جعلت من أطار مركزا عسكريا وإداريا رئيسيا. وساهمت خبرة ساكنة الإقليم التجارية في تعزيز الإشعاع الاقتصادي للمدينة.
ولم تبخل واحات وديان آدرار بعطائها الإنتاجي والسياحي الوافر، ليجد حينئذ كبار العسكريين والإداريون الفرنسيون في تيرجيت وسكليل وتيارت جزرا استجمامية في قلب صحراء صخرية قاسية، فخلف بعضهم شهادات وكتابات خالدة؛ كان لها بالغ الأثر في الترويج لمؤهلات السياحة الصحراوية في آدرار وبعث الرغبة في تكرار تجربة المغامرة بزيارة الإقليم في الأوساط الفرنسية والأوربية لاحقا.
لكن عدم ربط أطار بشبكة الطرق المعبدة طيلة العقود الثلاثة الأولى لاستقلال البلاد، وكذا جاذبية فرص العمل في الصناعة الاستخراجية والصيد والإدارة بالزويرات ونواذيبو ونواكشوط، عوامل أدت إلى هجرة كثير من سكان المدينة عنها، وإن حافظوا على حنينهم إلى العودة سنويا في موسم القيطنة؛ أبرز تجليات السياحة الداخلية بموريتانيا.
وفي منتصف التسعينيات بدأت ملامح نهضة جديدة تؤتي ثمارها في آدرار مع تشييد طريق أكجوجت - أطار وبناء مطار دولي في عاصمة السياحة الصحراوية، تلك الصناعة التي ازدهرت بالتوافد المتواتر لأفواج ودولارات السياح الفرنسيين والأوربيين، فتكاثرت الفنادق والنزل ووكالات الأسفار وتأجير السيارات، وهيئت المتاحف والمكتبات الأهلية ومعارض المنتجات الحرفية.
كان هذا قبل أن تشهد موريتانيا منذ منتصف 2005 سلسلة اعتداءات إرهابية ألقت بظلال قاتمة على صناعة السياحة في عموم البلاد وخصوصا في آدرار فتوقف التوافد السياحي أو كاد، ولم تسعفه حتى الآن دورتان من مهرجان المدن القديمة، نظمت أولاها في شنقيط 2011، والثانية في وادان 2012.
واليوم تبدو النزل والفنادق في أطار وجوارها شبه مهجورة، ويخشى ملاك وكالات تأجير السيارات أن يصيب الصدأ مركباتهم لقلة الطلب عليها، أما أجنحة المتاحف ومخطوطات المكتبات ومعارض الصناعة التقليدية فقلما تجد من ينفض عنها غبار خمسة مواسم من الكساد.
مدينة أطار التي تلفظ صناعتها السياحية أنفاسها اليوم - لعزوف السياح الأجانب عن زيارتها لدواع أمنية - تطل من مرتفعات آدرار، بنظرة لا تخلو ربما من شعور بالغيرة،  تجاه جارتها الغربية أكجوجت التي تعيش فترة ازدهار؛ بفعل الريع المتزايد لصناعتها الاستخراجية، فلا يجد زائر المدينتين بدا من التساؤل: كيف تحقق موريتانيا تنمية متوازنة بين مراكزها الإقليمية الحيوية ؟
حين ننجح في جعل الأجانب والموريتانيين؛ من أطر وعمال المناجم في قلب أم قرين وتازيازت، سياحا يدفعون من جيوبهم للاستمتاع بجمال الطبيعة وجلال التاريخ في هضاب آدرار ووديانه. عندها سيعود إلى أطار بريق الانتعاش الاقتصادي مجددا فلا ترى في أكجوجت منافسا بل شريكا في صنع الرخاء والثروة.


أطار في 27 إبريل 2012
سليمان ولد حامدن
مدون وأستاذ باحث

vendredi 20 avril 2012

تقرير ألماني يبدد المخاوف بشأن الأمن المائي لموريتانيا


نشرت صحيفة دير شبيغل الألمانية تقريرا حول الموارد المائية في إفريقيا وقد أوضحت الصحيفة استنادا إلى دراسات علمية أن إنتاجية الخزانات الجوفية تسجل ارتفاعا ملحوظا في شمال القارة.
وتظهر الخريطة الأولى أن الحوض الرسوبي السنغالي الموريتاني وخاصة بحيرة الترارزة الجوفية في موريتانيا توفر إنتاجية تزيد على 20 لتر في الثانية بينما يوفر حوض تاودني إنتاجية متوسطة
 أما الخريطة الثانية فتوضح عمق الخزانات المائية الجوفية في إفريقيا وهي تؤكد على وفرة الموارد المائية في شمال القارة أيضا، كما تبين أهمية المياه الباطنية في موريتانيا خاصة في بحيرة الترارزة (أكثر من 50000 مم) وحوض تاودني: مابين 25000 و50000 مم
بقي أن نشير إلى أن هذه الموارد المائية توجد في شكل فرشات مائية تقع على أعماق مختلفة تحت السطح كما هو مبين في الخريطة الثالثة
ويمكن أن يشكل هذا التقرير في حالة تأكد معطياته خبرا سارا للعديد من بلدان منطقة شمال إفريقيا وخاصة ليبيا والجزائر وموريتانيا، هذه الأخيرة تتمتع أيضا بمورد مائي سطحي دائم يتمثل في نهر السنغال ما يعني أن مشكلة تعبئة الموارد المائية للأغراض المختلفة غير مطروحة لها في الأمد المنظور
يذكر أن موريتانيا تقع في قلب نطاق من المعمورة يتوقع أن الجريان السطحي لمياه الأمطار سينخفض فيه بنسبة 30 في المائة في غضون 2050، فضلا عن أن البلاد تتلقى اكثر من 75 في المائة من حصتها من المياه من مصادر خارجية
ويزيد الإجهاد البيئي للموارد المائية من المسؤوليات ويحد من مقومات رفاه الأسر، وهكذا فإن السكان الذين لا تصلهم المياه الصالحة للشراب يستغرقون وقتا طويلا في جلب المياه، فنصف الأسر في موريتانيا تمضي 71 دقيقة في اليوم لاجتياز المسافات في جلب المياه، ويزداد العبء في الأرياف

سليمان ولد حامدن
مدون وأستاذ باحث

mardi 10 avril 2012

مقاطعة توجنين: هل تصبح الأولى في مؤشر جودة الحياة بنواكشوط ؟

نشأت مقاطعة توجنين -وتعني الكثيب بالأمازيغية-  حول سلسلة من الكثبان الرملية شرق نواة نواكشوط الأولى وعلى طول طريق الأمل، وقد انتقل عدد سكان المقاطعة من 1000 سنة 1970 إلى حوالي 85 ألف نسمة (تقديرات 2008) موزعين على مساحة تصل 7434 هكتارا بمعدل كثافة في حدود 11,4 نسمة / هك. في حين أن الكثافات الأكثر ارتفاعا (241 إلى 300 نسمة / هك) توجد بأحياء تنسويلم وبوحديدة الشعبية الفقيرة

مقاطعة توجنين رغم كونها مصنفة ضمن نطاق الأحياء الفقيرة إلا أنها من الناحية البيئية تتمتع بمزايا قد تجعلها أفضل مقاطعات العاصمة من حيث الأمان العقاري والسلامة البيئية. فهي من ناحية تقع ضمن المناطق التي تنخفض فيها درجة تهديد الغمر البحري، كما أنها تؤوي أكبر قسم من المساحات الخضراء في نواكشوط، وكذلك فتوجنين ظلت تخلو من النشاط الصناعي ومخلفاته إلا ما كان من ورشات إصلاح السيارات المنتشرة على طول طريق الأمل، قبل ترسيم المنطقة الصناعية شمال المقاطعة بمحاذاة طريق المقاومة المعروف شعبيا بشارع عزيز 
ويبدو أن اختيار موقع المنطقة الصناعية لم يكن موفقا بالمرة ذلك أنها توجد في مهب الرياح السائدة على المدينة معظم أشهر السنة، وهو ما يهدد الميزة البيئية التفضلية لتوجنين خاصة ان المنطقة الصناعية المذكورة عرفت حتى الآن ظهور وحدتين لصناعة مواد البناء والانشاء
بقي أن نشير إلى أن بعض سكان مقاطعة توجنين يتمتعون حاليا بميزة استهلاك المياه عبر شبكة إديني بخلاف جل مقاطعات نواكشوط التي بدأت تتزود عبر أنابيب مشروع آفطوط الساحلي والتي يشكو مستهلكوها من ارتفاع آثار مواد التعقيم والمعالجة فيها
وكذلك تقدم برامج إعادة هيكلة الأحياء العشوائية بالمقاطعة وهي العملية التي ستمكن من تحديث النسيج الحضري من خلال تأهيل مئات الهكتارات من السكن العشوائي خاصة جنوب طريق الأمل. وهي الأحياء التي رأت النور منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وظلت في نمو مستمر بفعل تصاعد موجات الهجرة الريفية حتى بات سكان العشوائيات يمثلون 79 في المائة من سكان المقاطعة سنة 2008 حسب تقديرات وكالة التنمية الحضرية
ولعل الاستفادة من الميزات الجغرافية لبلدية توجنين تتطلب جملة إجراءات ستدفع عند تنفيذها باتجاه تحسين جودة الحياة لساكنة البلدية من قبيل
أولا - العناية بالمساحات الخضراء في البلدية وتطويرها، وإنشاء منتزهات بلدية على غرار ما أنجزته بلديات أخرى في العاصمة مثل تفرغ زينه ودار النعيم
ثانيا - مد شبكات المياه والصرف الصحي والإنارة بمختلف أحياء البلدية، وتتأكد أهمية بناء شبكات الصرف الصحي في النطاقات المنخفضة من المقاطعة مثل حي السبيخة وتوجنين العتيقة وبعض أجزاء بوحديدة الجنوبي، التي تتضرر كثيرا من تجمع مياه الأمطار

ثالثا - تجهيز مصالح بلدية توجنين بصهاريج نقل الماء الشروب وبصهاريج لشفط مياه الصرف الصحي وبرك الأمطار
رابعا - تعزيز إعادة هيكلة الحياء العشوائية بتكثيف حملات النظافة واستدامتها في الشوارع والساحات العمومية التي ستنجم عن إعادة الهيكلة تلك حتى لا تتحول إلى مكبات للنفايات

خامسا - مراجعة عقود شركة بيزرنو لنظافة مدينة نواكشوط بحيث تتضمن مسؤوليات الشركة رفع جثث الحيوانات السائبة وهو مطلب ملح في بلدية توجنين التي تؤوي أهم مسالخ العاصمة وأسواق الحيوانات بها، خاصة أن البلدية كانت قد نفذت بدعم من منظمة جريت برنامجا ناجحا للنظافة ساهم في توفير عشرات فرص العمل خلال الفترة 2001 - 2006

سادسا - تنظيم محطات النقل الحضري وبين المدن في المقاطعة التي تعد أهم منفذ بري للعاصمة لامتدادها بمحاذاة طريق الأمل الذي يربط العاصمة نواكشوط بأهم مناطق التركز السكاني في وسط وشرق موريتانيا
سابعا - مكافحة زحف الرمال على المقاطعة التي تمثل جبهة متقدمة لحماية العاصمة وتشكو أحياؤها الشمالية من تقدم الكثابان الرملية مهددة المساكن والبنية التحتية

هذه التدابير وغيرها قد تعمل مستقبلا على رفع سعر المتر المربع في المقاطعة خاصة مع مد شبكات الطرق الحضرية إلى أجزاء واسعة منها مثل تعبيد شارع المقاومة الذي بدأت جنباته تستقطب حركية عقارية نشطة
 ولكن السؤال المطروح: هل يدرك المسؤولون الحكوميون والمنتخبون المحليون وفاعلو المجتمع المدني بالمقاطعة هذه الميزة التي تنعم بها بلدية توجنين ؟ وكيف يمكن استثمارها مستقبلا من قبل مختلف المتدخلين والشركاء ضمن خطة للتسويق الترابي للدفع بعجلة التنمية المحلية ؟


سليمان ولد حامدن - مدون وباحث جغرافي
soulaymane77@yahoo.fr